محمد هادي معرفة

192

التمهيد في علوم القرآن

جنون . وإنّ قوله لمن كلام اللّه . . . » « 1 » . قاله على ملأ من قريش وذلك بعد أن سمع القرآن لأوّل مرّة ، على أفواه المسلمين يرتّلونه ترتيلا ، فأعجبه قرآنه وبهرته جذبته . وإنّ قريشا لهابت تلك المفاجأة الخطيرة ، ومن ثمّ تآمرت على أن تحول دون إشاعة النبأ ، فقالوا : لئن صبا الوليد - وهو ذو حسب ومال - لتصبأنّ قريش كلها . قال أبو جهل : أنا أكفيكم شأنه ، فانطلق حتى دخل على الوليد بيته ، فقال له : ألم تر أنّ قومك قد جمعوا لك الصدقة ! ( يريد التأنيب عليه بأنّه إنّما قال كلامه الآنف طمعا في المال ) قال : ألست أكثرهم مالا وولدا ؟ فقال له أبو جهل : يتحدّثون أنّك إنّما تدخل على أصحاب محمد ( صلى اللّه عليه وآله ) لتصيب من طعامهم ! قال الوليد : أقد تحدّثت به عشيرتي ؟ ! فلا تقصر عن سائر بني قصيّ . . . فعزم أن لا يقرب أحدا من المسلمين بعد ذلك . وله شهادة أخرى نظيرتها ، قالها عندما مرّ على رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وآله ) وهو يتلو في صلاته بضع آيات من سورة المؤمن ، فانقلب إلى مجلس قومه مندهشا قائلا : « واللّه لقد سمعت من محمد آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجنّ ، واللّه إنّ له لحلاوة ، وإنّ عليه لطلاوة ، وإنّ أعلاه لمثمر ، وإنّ أسفله لمغدق . وإنّه يعلو ولا يعلى عليه » « 2 » . وفي رواية أخرى - ذكرها القاضي عياض - : لمّا سمع الوليد بن المغيرة من النبيّ ( صلى اللّه عليه وآله ) يقرأ :

--> ( 1 ) تفسير الطبري : ج 29 ص 98 . ( 2 ) المعجزة الخالدة للسيد هبة الدين الشهرستاني : ص 21 . والطلاوة - مثلثة الطاء - البهجة والنضارة . وأغدقت الأرض : أخصبت وابتلت بالغدق وهو المطر الغزير .